أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
378
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الكلام خرج على زعمهم . وعلى قولنا : إنها نافية يكون « مِنْ جِنَّةٍ » مبتدأ ، و « مِنْ » مزيدة فيه ، و « بِصاحِبِهِمْ » خبره ، أي : ما جنة بصاحبهم . قوله : وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ . فيها وجهان : أحدهما وهو الصحيح : أنها المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الأمر والشأن ، و « عَسى » وما في حيّزها في محل الرفع خبرا لها ، ولم يفصل هنا بين « أَنْ » والخبر وإن كان فعلا ، لأن الفعل الجامد الذي لا يتصرف يشبه الأسماء ، ومثله : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ، « والخامسة أن غضب اللّه عليها » في قراءة نافع ، لأنه دعاء . وقد وقع خبر « أَنْ » جملة طلبية في هاتين الآيتين الأخيرتين ، فإنّ « عَسى » للإنشاء ، و « غضب اللّه » دعاء . والثاني : أنها المصدرية ، قاله أبو البقاء ، يعني التي تنصب المضارع الثنائية الوضع . وهذا ليس بجيد ، لأن النحاة نصوا على أن المصدرية لا توصل إلا بالفعل المتصرف مطلقا ، أي : ماض ، ومضارع ، وأمر ، و « عَسى » لا يتصرف ، فكيف يقع صلة لها ؟ و « أَنْ » على كلا الوجهين في محل جر ، نسقا على « مَلَكُوتِ » ، أي : أو لم في أن الأمر والشأن عسى أن يكون . و « أَنْ يَكُونَ » فاعل « عَسى » ، وهي حينئذ تامة ، لأنها متى رفعت « أَنْ » وما في حيّزها كانت تامة ، ومثلها في ذلك « أوشك ، واخلولق » . وفي اسم « يَكُونَ » قولان : أحدهما : هو ضمير الشأن ، ويكون « قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ » خبرا لها . والثاني : أنه « أَجَلُهُمْ » ، و « قَدِ اقْتَرَبَ » جملة من فعل وفاعل هو ضمير « أَجَلُهُمْ » ، ولكن قدم الخبر ، وهو جملة فعلية على اسمها ، وقد تقدم ذلك والخلاف فيه ، وهو أنّ ابن مالك يجيزه ، وابن عصفور يمنعه ، عند قوله : « ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ » . قوله : فَبِأَيِّ متعلق ب « يُؤْمِنُونَ » ، وهي جملة استفهامية سيقت للتعجب ، أي : إذا لم يؤمنوا بهذا الحديث ، فكيف يؤمنون بغيره ؟ والهاء في « بَعْدَهُ » يحتمل العود على القرآن ، وأن يعود على الرسول ، ويكون الكلام على حذف مضاف ، أي : بعد خبره وقصته ، وأن يعود على « أَجَلُهُمْ » ، أي : أنهم إذا ماتوا وانقضى أجلهم فكيف يؤمنون بعد انقضاء أجلهم ؟ قال الزمخشري : « فإن قلت : بم تعلق قوله : « فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ » ؟ قلت : بقوله : « عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ » ، كأنه قيل : لعل أجلهم قد اقترب ، فما لهم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الموت ، وما ذا ينتظرون بعد وضوح الحق ؟ وبأيّ حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا ؟ » . يعني التعلق المعنوي المرتبط بما قبله ، لا الصناعي ، وهو واضح . قوله : وَيَذَرُهُمْ . قرأ الأخوان بالياء وجزم الفعل ، وعاصم وأبو عمرو بالياء أيضا ، ورفع الفعل ، ونافع وابن كثير وابن عامر بالنون ورفع الفعل أيضا ، وقد روى الجزم أيضا عن نافع وأبي عمرو في الشواذ . فالرفع من وجه واحد ، وهو الاستئناف ، أي : وهو يذرهم ، أو ونحن نذرهم على حسب القراءتين . وأما السكون فيحتمل وجهين : أحدهما : أنه جزم ، نسقا على محل قوله : « فَلا هادِيَ لَهُ » ، لأن الجملة المنفية جواب للشرط ، فهي في محل جزم فعطف على محلها ، وهو كقوله تعالى : وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، وَيُكَفِّرُ بجزم